مبدأ عدم التدخل في ظل الممارسة الدولية ** الجزء الثاني **

اذهب الى الأسفل

مبدأ عدم التدخل في ظل الممارسة الدولية ** الجزء الثاني **

مُساهمة  nouveau3n في الثلاثاء أبريل 14, 2009 8:47 pm

المطلب الثاني: مبدأ عدم التدخل في ظل الممارسة الدولية

الفقرة الأولى : التدخل الأمريكي بالعراق في ميزان القانون الدولي
يعتبر مبدأ عدم التدخل من أهم مبادئ الأمم المتحدة و أخطرها ارتباطا بالسلم والأمن الدوليين كما أنه يهدد بشكل مباشر استقلال الدول وسيادتها. وكما سلف الذكر فإن هناك عدة أنواع للتدخل أخطرها التدخل العسكري المستند على القوة لأنه بكل بساطة يمكن أن تتبعها باقي أشكال أنواع التدخل سواءا السياسية منها أو الاقتصادية …وعلى هذا الأساس، فالأصل في القانون الدولي هو عدم التدخل ولا يمكن التدخل في دولة معينة أو أي مكان من العالم إلا تحت طائلة بعض الاستثناءات. غير أن الواقع الدولي يكشف لنا على أن الأصل هو التدخل واستثناء هو عدم التدخل نظرا للعديد من حالات التدخل في العالم، ونعني به تدخل دولة معينة في شؤون دولة أخرى أو تدخل مجموعة دول أو منظمة إقليمية أو دولية في شؤون دولة ما.
غير أن النموذج الحي للتدخل في الوضع الراهن هو تدخل الأمريكي في العراق.
وهنا نطرح السؤال التالي:
- هل يندرج التدخل الأمريكي ضمن استثناء مبدأ عدم تدخل ما تحاول أن تبين ذلك الإدارة الأمريكية؟
- وهل للولايات المتحدة كدولة طرف في المجتمع الدولي حق تدخل في شؤون دولة أخرى ألا وهي العراق خارج أي إطار أممي أو دولي؟ وبالتالي ما مدى شرعية التدخل الأمريكي في العراق؟
لقد اعتادت الدول الاحتكام إلى العنف و القوة لحل خلافاتها الدولية قصد تحقيق مصالحها القومية غير عابئة بالالتزامات القانونية الدولية التي قبلتها بمقتضى عضويتها في منظمة الأمم المتحدة، ولاسيما منها الالتزام بحل سلمي للخلافات الدولية وبعدم التدخل في شؤون الدول أو اللجوء إلى القوة كأحد أشكال التدخل. غير أن هذه الالتزامات فقدت مصداقيتها نظرا لتشبث الدول بأهدافها ومصالحها القومية والسعي ورائها بجميع الوسائل بما في ذلك أسلوب القوة تحت ذرائع ومبررات شتى. ويتم الركون إلى القوة من طرف هذه الدول في الاستغلال السافر لقواعد الشرعية الدولية بما فيها ميثاق الأمم المتحدة وتحديدا الاستثناءات الواردة على قاعدة عدم التدخل وحظر اللجوء إلى القوة المتعلق بالدفاع الشرعي المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة .
وتحت هذا المبرر- أي ذريعة الدفاع الشرعي باعتبارها انشاءا لمبدأ عدم التدخل – يندرج التدخل الأمريكي بالعراق بدعوى امتلاك هذا الأخير أسلحة دمار شامل يهدد بها أمن ومصالح الولايات المتحدة والعالم ككل مما يقتضي ضرورة التدخل العسكري بأساس لردع التهديد والحظر العراقي قبل حدوثه وذلك في إطار حق الدفاع الوقائي . فالحرب الوقائية ضمن هذا المفهوم لا تستند إلى الخوف من عدوان عراقي داهم وإنما الخوف من خطر قادم ومحتمل وتهديد الاستراتيجي يقوم به العراق للأمن الولايات المتحدة والعالم ككل. وتفاديا لأي نقد لسياستها تجاه العراق تقوم الولايات المتحدة بمحاولة إضفاء الشرعية على تدخلها في العراق من خلال التذكير بالقرارات الصادرة عن الأمم المتحدة سنة 1990، وهي القرارات التي فرضت عليه شروط سلم قاسية وغير مسبوقة في تاريخ العلاقات الدولية، وتتجاوز بكثير تلك التي فرضت على دول المحور غداة انهزامها في الحرب العالمية الثانية .
عموما إذا قمنا بتحليل الخطاب الرسمي الأمريكي الذي تتداوله وسائل الإعلام نجده بأنه يحاول إضفاء الشرعية على التواجد الأمريكي في العراق عبر مجموعة من المبررات أهمها :
-أولا : الرد على التهديد الذي تمثله ترسانة العراق من أسلحة الدمار الشامل هذا المبرر المقدم كأحد تبعات التأويل الواسع والمنحرف لحق الدفاع الشرعي، يوجد مدعوما بتيار فقهي غربي يزعم بصحة ومشروعية ممارسة الدفاع الشرعي ليس فقط لرد على عدوان مسلح وقع فعلا ، بل أيضا للرد على أي عدوان وشيك الوقوع أو تهديد بالعدوان وسندهم في ذلك المادة رقم 51 من الميثاق . والواقع أن هذا الطرح يفتقر إلى أساس قانوني سليم. وفي هذا الإطار يرى عبد الحليم الشلبي *أن تحريم الدفاع الشرعي الوقائي قد تم إقراره حتى قبل قيام منظمة الأمم المتحدة* ، فالمادة 11 من عصبة الأمم تقول بان للعصبة وحدها حق اتخاذ تدابير الأزمة لضمان السلم لجميع الدول .,
-ثانيا : حالة الضرورة يعرفها أنزلوتي *بأنها الحالة التي يستحيل معها التصرف بوسيلة أخرى غير مخالفة للقانون* وشروط حالة الضرورة هي أبعد بكثير أن تحقق في حالة العراق لأن صحة ومشروعية إثارة حالة الضرورة تبقى صعبة إن لم نقل مستحيلة التحقق اللهم في دهن ومخيلة الولايات المتحدة .
-ثالثا : عجز منظمة الأمم المتحدة عن تحمل مسؤوليتها في الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين .
-رابعا : الدفاع عن المجموعة الدولية والقانون الدولي .
-ثم أخيرا وليس آخر العمل على تحرير الشعب العراقي من نظام صدام حسين وإرساء الديمقراطية في العراق . ويأتي هدا المبرر الذي يحمل في طياتها الكثير من التناقضات بعدما أظهرت أحداث المتتالية زيف ادعاءات والمبررات الأمريكية الواهية.
الفقرة الثانية : التدخل الأمريكي في أفغانستان
لقد شكل التدخل الأمريكي العسكري في أفغانستان أهم الردود الفعل الأمريكي على أحداث 11 من شتنبر 2001 والتي استهدفت العمق الأمريكي. وقد حشدت الولايات المتحدة حلفاءها في تلك الحرب من أجل هدفين أوليين هما القضاء على نظام الإسلامي للطالبان وتفكيك شبكة القاعدة ، وقد استندت الولايات المتحدة في تدخلها العسكري لأفغانستان على حقها الطبيعي والشرعي في الدفاع عن نفسها ضد هجمات التي تعرضت لها . فما مدى شرعية هذا التدخل وما هي مرتكزاتها القانونية ؟
لقد عملت الولايات المتحدة على استصدار قرار أممي يضفي الشرعية على الرد العسكري الذي كانت تهيئ له ضد أفغانستان . وبالفعل صدر القرار مجلس الأمن رقم 1368 في 12 من شهر شتنبر 2001 ليبيح للولايات المتحدة الأمريكية حق الدفاع عن نفسها طبقا للفصل 51 من الميثاق حول الدفاع الشرعي ومن هذا المنطلق سنحاول تقييم السلوك الأمريكي في أفغانستان وما مدى موافقته للشرعية الدولية .
إن ممارسة حق الدفاع الشرعي الفردي والجماعي هي شأن اختياري بالنسبة للطرف المتضرر، ثم بالنسبة للأطراف الأخرى غير المباشرة ، غير أن الولايات المتحدة حاولت حشد أعضاء المجتمع الدولي سواء بأسلوب الترغيب أو الترهيب قصد التحالف معها ضد " الإرهاب " وأن كل من يتنكر لهذا التحالف فإنه يدعم الإرهاب بصيغة أو بالأخرى ومن ناحية ثانية فقد جاء الرد الأمريكي ضد دولة أفغانستان منافيا لقاعدة التناسب فالرد الأمريكي تجاوز الدفاع عن النفس وأضحى عملا انتقاميا بعد أن تجاوز الحدود الزمنية والمكانية . ويظهر عدم التناسب أيضا من خلال جسامة وخطورة السلوك العسكري الأمريكي في أفغانستان بعد أن تحول إلى حرب عسكرية شاملة بإمكانياتها وأدواتها.
وبناءا على القرار 1368 فإن الدفاع المشروع لا ينبغي لأي حال من الأحوال أن يتخذ بدوره شكل عمل عدواني وإرهابي مقنع ، ذلك أن السلوك الأمريكي في أفغانستان تجاوز مقتضيات هذا القرار بل وتجاوز قواعد ومبادئ القانون الدولي.
وبالاعتماد على المادة 51 من الميثاق ، نجدها تسمح بممارسة حق الدفاع المشروع في حالة الاعتداء * إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم ولأمن الدوليين* بمعنى أن رد الفعل يجب أن يكون مؤقتا في انتظار التدخل الحاسم لمجلس الأمن.
و في الأخير نخلص إلى أن الدور الأممي خلال التدخل الأمريكي في أفغانستان اقتصر فقط على منح الولايات المتحدة الضوء الأخضر للتدخل من خلال القرار 1368 ليفتح الباب على مصراعيه أمام الولايات المتحدة لكي تتصرف بما تمليه عليها مصالحها القومية ولو أوجب دلك التنصل من مبادئ الأمم المتحدة أو تأويلها بما يتلاءم مع السياسات الأمريكية.
خاتــمة
هكذا تتضح بجلاء إشكالية القانون الدولي و ذلك في إقامة الفارق بين ما هو متضمن في ميثاق الأمم المتحدة وغيره من المواثيق الدولية، وبين ما هو كائن في أمر الواقع من تحايل على قواعد القانون الدولي ، وذلك بسبب غياب سلطة فوق الدولاتية تكون بمثابة الحكم في القضايا الدولية، الشيء الذي يمنح الدول وخاصة الكبرى منها الحق في إضفاء التأويلات على قواعد القانون الدولي بما فيها مبدأ عدم التدخل.

nouveau3n

المساهمات : 16
تاريخ التسجيل : 19/03/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى